أحدث المواضيع

النور والظلمات

 قال الله تعالى : (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) )[سورة النور:40].

ظلمات البحر

 ‏‏‏تتضمن سورة النور الآيه الكريمة التي بها وصف لظلمات البحر، وتشير إلى الظلمة التامة فوق قيعان البحار العميقة والمحيطات، مؤكدة أنها ظلمة مركبة، يلعب كل من السحب، والأمواج السطحية، والأمواج الداخلية دورًا أساسيًّا في إحداثها، وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا في مطلع القرن العشرين، ولما كانت الشمس هي مصدر الحرارة والضوء على سطح الأرض وعلى أسطح غيرها من أجرام المجموعة الشمسية، كان لزامًا علينا الرجوع إلى المسافة الفاصلة بين الأرض والشمس للتعرف على الحواجز التي يمكن أن تعترض أشعة الشمس في طريق وصولها إلى الأرض ومن أهمها الغلاف الغازي للأرض، خاصة جزءه السفلي وما به من سحب.

ولم يكن بمقدور الإنسان معرفة أعماق الشواطئ الضحلة والمياه الراكدة ناهيك عن معرفة البحار العميقة، والحركات الداخلية في هذه المياه، كما لم يكن بإمكان الإنسان الغوص في هذه الشواطئ إلا في حدود عشرين مترًا ولثواني معدودة، ليعاود التنفس من الهواء الجوي، وحتى بعد ابتكار أجهزة التنفس للغواصين لم يتمكن الإنسان من الغوص أكثر من ثلاثين مترًا؛ نظرًا لازدياد ضغط الماء على جسم الغواص مع زيادة العمق والذي يعادل عند عمق ثلاثين مترًا أربعة أضعاف الضغط الجوي على سطح الأرض.

وعندئذٍ يذوب غاز النتروجين في دم الغواص ويؤثر على عمل مخه فيفقده السيطرة على حركاته، ويصاب الغواصون نتيجة لذلك بأمراض تعرف في الطب بأمراض الغواصين، أما إذا نزل الغواص إلى أعماق بعيدة فإن ضغط الماء يكفي لهرس جسمه. وبالرغم من أن القدماء عرفوا أن الرياح تؤثر على الأمواج والتيارات السطحية إلا أنه كان من الصعب عليهم أن يعرفوا شيئًا عن الحركات الداخلية في المياه.

ولم تبدأ الدراسة المتصلة بعلوم البحار وأعماقها على وجه التحديد إلا في بداية القرن الثامن عشر، عندما توفرت الأجهزة الضرورية لمثل هذه الدراسات المفصلة.

١-الظلمة الأولى تسببها السحب:

تتكون الأشعة الصادرة من الشمس من كل الموجات الكهرومغناطيسية ابتداءًا من الأشعة الراديوية إلى الأشعة السينية، إلا أن الغالب عليها هو الضوء المرئي وكل من الأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية، بالإضافة إلى بعض الجسيمات الأولية المتسارعة مثل الإلكترونات، وأغلب الأشعة فوق البنفسجية يردها إلى الخارج نطاق الأوزون، وعند وصول بقية أشعة الشمس إلى الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض فإن السحب تعكس وتشتت نحو30% منها، وتمتص السحب وما بها من بخار الماء وجزيئات الهواء وهباءات الغبار وغيرها من نوى التكثيف الأخرى حوالي19% من تلك الأشعة الشمسية المارة من خلالها، ومن هنا نعلم أن السحب تحجب بالانعكاس والتشتيت والامتصاص حوالي49% من أشعة الشمس، فتحدث قدرًا من الظلمة النسبية.

٢-الأمواج السطحية في البحار والمحيطات تسبب الظلمة الثانية:

عند وصول ما تبقى من أشعة الشمس إلى أسطح البحار والمحيطات فإن حوالي 35% من الأشعة تحت الحمراء فيها تستهلك في تبخير الماء، وتكوين السحب، وفي عمليات التمثيل الضوئي، التي تقوم بها النباتات البحرية.

أما ما يصل إلى سطح البحار والمحيطات مِمَّا تبقى من الأشعة المرئية(أو الضوء الأبيض) فإن الأمواج السطحية للبحار تعكس5% أخرى منها، فتحدث قدرًا آخر من الظلمة النسبية في البحار والمحيطات.

٣-ضعف ضوء الشمس المرئي بمروره في ماء البحار والمحيطات:

الجزء المرئي من أشعة الشمس الذي ينفذ إلى كتل الماء في البحار والمحيطات يتعرض لعمليات كثيرة من الانكسار، والتحلل إلى الأطياف المختلفة والامتصاص بواسطة كل من جزيئات الماء، وجزيئات الأملاح المذابة فيه، وبواسطة المواد الصلبة العالقة به، وبما يحيا فيه من مختلف صور الأحياء، وبما تفرزه تلك الأحياء من مواد عضوية، ولذلك يضعف الضوء المار في الماء بالتدريج مع العمق، والطيف الأحمر هو أول ما يمتص من أطياف الضوء الأبيض، ويتم امتصاصه بالكامل على عمق لا يكاد يتجاوز عشرة أمتار، ويليه في الامتصاص الطيف البرتقالي، ثم الطيف الأصفر والذي يتم امتصاصه بالكامل على عمق لا يتجاوز الخمسين مترًا، ويلي ذلك الطيف الأخضر والذي يتم امتصاصه بالكامل على عمق مائة متر في المتوسط، ويستمر الطيف الأزرق بعد ذلك ليتم امتصاصه على عمق يزيد قليلًا على المائتي متر، ولذلك يبدو ماء البحار والمحيطات باللون الأزرق لتشتت هذا الطيف من أطياف الضوء الأبيض في المائتي متر العليا من تلك الكتل المائية.

وبذلك فإن معظم موجات الضوء المرئي تمتص على عمق مائة متر تقريبًا من مستوى سطح الماء في البحار والمحيطات، ويستمر1% منها إلى عمق 150 مترًا، و0،01% إلى عمق200 متر في الماء الصافي الخالي من العوالق.

وعلى الرغم من السرعة الفائقة للضوء (حوالي300،000 كيلومتر في الثانية في الفراغ، وحوالي225،000 كيلومتر في الثانية في الأوساط المائية)، فإنه لا يستطيع أن يستمر في ماء البحار والمحيطات لعمق يزيد على الألف متر، فبعد مائتي متر من أسطح تلك الأوساط المائية يبدأ الإظلام شبه الكامل حيث لا ينفذ بعد هذا العمق سوى أقل من0،01% من ضوء الشمس، ويظل هذا القدر الضئيل من الضوء المرئي يتعرض للانكسار والتشتت والامتصاص حتى يتلاشى تمامًا على عمق لا يكاد يصل إلى كيلومتر واحد تحت مستوى سطح البحر، حيث لا يبقى من أشعة الشمس الساقطة على ذلك السطح سوى واحد من عشرة تريليون جزء منها، ولما كان متوسط أعماق المحيطات يقدر بنحو3795 مترًا، وأن أقصاها عمقًا يتجاوز الأحد عشر كيلومترًا بقليل(11،034 متر) وبين هذين الحدين تتراوح أعماق البحار والمحيطات بين أربعة وخمسة كيلومترات في المتوسط، وبين ثمانية وعشرة كيلومترات في أكثرها عمقًا، فإن معنى ذلك أن أعماق تلك المحيطات تغرق في ظلام دامس(18).

 الأمواج الداخلية هي سبب الظلمة الثالثة فوق قيعان البحار العميقة:

بالإضافة إلى تحلل الضوء الأبيض عند مروره في ماء البحار والمحيطات فإن السبب الرئيسي في إحداث الإظلام التام فوق قيعان البحار اللجية (أي الغزيرة الماء لعمقها حتى لا يكاد يدرك لها قاع) هي الأمواج الداخلية في تلك البحار العميقة وغير المتجانسة، وتتكون هذه الأمواج الداخلية بين كتل الماء ذات الكثافات المختلفة، وتختلف كثافة الماء في البحار العميقة والمحيطات باختلاف كل من درجة حرارته، ونسبة الأملاح المذابة فيه، وتتمايز كتل الماء في تلك المسطحات المائية الكبيرة أفقيًّا بتمايز مناطقها المناخية، ورأسيًّا بتمايز كثافتها، وتتحرك التيارات المائية أفقيًّا بين مساحات شاسعة من خطوط العرض فتكتسب صفات طبيعية جديدة من درجات الحرارة والملوحة بسبب تغير معدلات التسخين أو التبريد، ومعدلات البخر أو سقوط الأمطار، مما يضطرها إلى التحرك رأسيًّا كذلك.

وما سبق من المعلومات لم يكتشفه الإنسان إلا بعد أن ابتكر أجهزة للبحث العلمي تمكنه من الوصول إلى هذه الأعماق، ودراسة هذه الظواهر، وبعد أن استغرق البحث فترة طويلة امتدت لثلاثة قرون من الزمن، واحتشد لها مئات الباحثين والدارسين حتى تمكنوا من معرفة تلك الحقائق، فمن أخبر محمدًا صلى الله عليه وسلم بهذه الأسرار في أعماق البحار في وقتٍ كانت وسائل البحث العلمي فيه معدومة، والخرافة والأسطورة هي الغالبة على سكان الأرض في ذلك الزمان، وبخاصة في مجال البحار، وكيف جاءه هذا العلم الدقيق بهذه الأسرار، وهو الرجل الأمي في أمة أمية وبيئة صحراوية، ولم يتيسر له ركوب البحر طوال حياته؟

وحين عرضت هذه الحقائق على البرفسور (راو) وسأل عن تفسيره لظاهرة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة وكيف أُخبر محمد -صلى الله عليه وسلم- بهذه الحقائق منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام أجاب: من الصعب أن نفترض أن هذا النوع من المعرفة العلمية كان موجودًا في ذلك الوقت منذ ألف وأربعمائة عام، ولكن بعض الأشياء تتناول فكرة عامة، ولكن وصف هذه الأشياء بتفصيل كبير أمر صعب جدًّا، ولذلك فمن المؤكد أن هذا ليس علمًا بشريًّا بسيطًا.

لا يستطيع الإنسان العادي أن يشرح هذه الظواهر بذلك القدر من التفصيل ولذلك فقد فكرت في قوة خارقة للطبيعة خارج الإنسان، لقد جاءت المعلومات من مصدر خارق للطبيعية (32).

إنه لدليل قاطع على أن هذا العلم الذي حملته هذه الآية قد أنزله الله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 6].

وقال تعالى: ﴿لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 166]، والقائل: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53].

وكفى بالله شهيدًا.

عن مجلة أبحر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *