أحدث المواضيع

باب البنط

تميزت مدينة جدَّة القديمة بأنَّها كانت مُحاطة بسور يحميها من أطماع الغزاة على مر القرون والعقود، وكان السور يحتوي على مداخل عديدة من مختلف الاتجاهات وكان المدخل يسمى (باب) مثل باب مكة وباب المدينة وباب جديد وإلخ ، وكانت هذه المداخل تتعرض لإعادة بناء وتحسين على مر العصور بالإضافة إلى إنشاء مداخل جديدة كلما دعت الحاجة إلى ذلك .

وتختلف الآراء والأقاويل حول تاريخ بناء سور جدة؛ نظرًا لشح المصادر التي تحدثت عن سور جدَّة فضلًا عن ندرتها، ولعل أقدم المصادر التي تحدثت عن سور جدة تعود إلى منتصف القرن الرابع الهجري أي قبل دخول جدة تحت الحكم الفاطمي، وذلك من خلال كتاب (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) للرحَّالة محمد المقدسي المعروف بـ البشاري (ت.380هـ) والذي زار جدة عام 356هـ في عهد الدولة الإخشيدية التي خرجت من الخلافة العباسية، وقد ذكر المقدسي بأن أغلب أهل جدة كانوا من الفرس، وقد ذكر في المستبصر لابن المجاور بأنَّ الفرس احتلوا جدَّة بعد حدوث زلزال في مدينة سيراف، والمتأمل في طريقة الفرس لتحصين مدنهم يجد بأن تسوير المدينة هو أمر أساسي عندهم مع إنشاء خندق مائي حول السور من الخارج ولذلك ربما يعود بناء سور جدة للفرس الذين انتقلوا إليها وسكنوها بعد خراب سيراف.

 ولم تسعفنا المصادر التاريخية عن بناء الفاطميين سورًا في مدينة جدة، واستمر السور محيطًا بمدينة جدة حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري، ونكتفي بهذا القدر؛ لأنَّ المقال ليس موضع الحديث عن سور جدة بالتفصيل .

وقبل أن نعرج إلى الحديث عن عنوان المقالة وهو “باب البنط” سأتحدث قليلًا عن تاريخ الأبواب في جدة،  حيث أن أقدم المصادر التي تحدثت عنها هو كتاب للرحالة الفارسي ناصر خسرو الذي زار جدة في نهاية النصف الأول من القرن الخامس الهجري ( الموافق 1050م تقريبًا) ، وقال : ( ولها بوابتان : إحداهما شرقية تؤدي إلى مكة والثانية غربية  تؤدي إلى البحر)، ويعتقد بعض الباحثين أن موقعي البابين الشرقي والغربي اللذان استحدثا في زمن السلطان قانصوه الغوري من خلال القائد العسكري أمير حسين مشرف الكردي –باشا العسكر- (1506م تقريبًا) تم بناءهما على أنقاض البوابتين القديمة التي ذكرهما الرحالة خسرو،  ولم يثبت بالحقائق ولا بالنصوص التاريخية أن البوابتين بنيت على أنقاض البوابتين القديمة.

ويلاحظ أن باب مكة في زمن الرحالة خسرو كان هو المنفذ الوحيد لأهالي جدة حيث يتم منه الذهاب إلى مكة المكرمة، والمدينة المنورة، واليمن والشام ، والبوابة الغربية كانت للقادمين من البحر ولاستقبال البضائع،  كما أن هناك قرابة أربعة قرون مغمورة لا نعلم عنها الكثير ولم يدون عنها إلا إشارات لا تطفئ ظمأ الباحث والقارئ المتعطش لتاريخ جدة، ولا أعلم إذا كانت هناك أبواب استحدثت في فترة حكم بني أيوب وبني رسول على جدة .

ثم ذكر جارالله ابن فهد المتوفي سنة 954هـ عندما تطرق إلى سور جدة بنوع من التفصيل عن أسماء أبواب جدة التي كانت في زمنه : حيث ذكر لنا أربعة أبواب:

أحدها باب الدومة ـ وباب المدبغة ـ وكان عليه حجر أخضر فيه طلسم إذا سرق في البلد سارق وجد في الغداة  اسم السارق مكتوبًا في الحجر وباب مكة في جهة القبلة ـ وباب الفرضة مما يلي القبلة  .

وذكر أيضًا إبراهيم رفعت باشا في رحلته : ( أن بجدة تسعة أبواب ستة في الجهة البحرية ، وثلاثة في الجهات الأخرى) .

ويجدر الإشارة إلى موضوع مهم وهو أن هناك بعض الأبواب لم تكن على السور ، ولكن أغلبها على السور وبعضها على السور المستجد أمام السور القديم ، وبعضها بوابات الخروج من الميناء مثل باب البنط ،وبعضها بوابات خاصة لبعض المرافق الواقعة على سور جدة البحري القديم مثل: الشونة، والجمرك، وبيت الوزير .

ونرجع إلى حديثنا عن باب البنط الذي حدث حوله لغط وسوء فهم ، حيث أن المقصود من مسمى البنط هو الميناء حسب المصادر التاريخية ، وقد عرف هذا المسمى في جدة وينبع وحضرموت وطرابلس الشام، ولدى سكان المهجر في اندونيسيا ، وغيرها من المدن الواقعة  في الساحل في البلاد العربية :

ويقول الشاعر الحضرمي حمد القانص المهاجر إلى جاوة أثناء وداع أبنائه الأربعة المغادرين إلى حضرموت :

جالس ومتوقف قليل الحركة ــــــــ ما ساعدت يسراي على اليمــناء

من بعد ما فارقت ثمرة مهجتي ـــــــ هم أربعه عزموا على المسراء

صبرت نفسي والفؤاد مهذّب ــــــ ولعــاد مـــدّت للمســـير خـطـــاء

وقفت فوق البنط مثل الحائر ـــــــ وتوجــــه البـــابـور للمــجــــراء

لو بحت ما عندي وما قاسيته ــــــ منه تذوب الصخــــــرة الصـماء

وجاء أيضًا ذكر البنط  كميناء  في شعر الشاعر المصري حسن القفطي المستوطن في ينبع ، وعندما اضطر العودة إلى مصر نهائيًّا اشتاق إلى ينبع ، وقال:

شوقي إلى القاد في الأحشاء يوقد من نار اشتياقي غالي منجازة العرب

ومهجتي في رصيف البنط  ما برحت رهينة لم تحل عنه ولم تغب

وصورة الصور في الأحشاء صورها قلبي وحلة عبس غاية الطلب.

ويقول الأستاذ محمد صادق دياب (يرحمه الله) عن البنط : ( يطلق هذا الاسم على الميناء القديم لجدة.. وأن هذه الكلمة مستمدة من الكلمة اللاتينية (Ponto) التي تعني الزورق المسطح الذي يستخدم في المناطق ذات المعوقات المائية، ويطلق أيضًا على الميناء الذي يستقبل تلك الزوارق ، وآخر الاستخدامات لتلك الكلمة عالميًّا ميناء Punta Arenas  في تشيلي بأمريكا الجنوبية).

ومن خلال بحثي عن كلمة البنط  تبين لي أنه يطلق على القارب (أوالمعدية) وأن الكلمة ليست عربية الأصل وإنما لاتينية  قديمة (Ponto) واستخدمت الكلمة  في أوائل القرن السادس عشر الميلادي في اللغة الألمانية  والهولندية والجدير بالذكر أن كلمة (لبنط) بهذا الشكل لها معنى آخر في اللغة العربية  ذكر في المعاجم والقواميس العربية مثل المعجم الوسيط ولسان العرب ولكن لا تعني البنط المراد به زورق أو قارب في اللاتينية، وهو تشابه في الشكل لا في المعنى.

وفي المصادر القبطية المصرية  سمي المصريون البحر الأحمر ببحر بنط ( أي بحر العربية ) وجاء في كتاب (النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة ): منطقة بنطس ( بنط ) في أرمينيا ، وهو الميناء على البحر الأسود .

البنط  في العرف التجاري في السوق المصريأ نوع من شهادة الضمان البنكية  ويستبعد على وجه الإطلاق أن يكون هذا سببًا لتسمية باب البنط .

يقع باب البنط من جهة الشرق لمجمع الميناء وتحديدًا هو المدخل إلى جمرك أرض الزالة الواقع أمام باب الصبة ومبنى الجمرك القديم، ويعتبر هذا الباب المدخل الرئيس لمرافق ميناء مدينة جدة من جهة الشرق حتى عام 1360هـ تقريبًا .

ويؤكد الأستاذ محمد درويش رقام :أن باب البنط هو باب المقابل لباب الصبة من جهة الغرب .

يقول الدكتور طلال عبد الكريم بكر (يرحمه الله): يخلط البعض بين باب الصبة، أحد أبواب السور القديم الذي هدم في عام ١٩٤٧م، وباب البنط  الذي يقع على السور المحيط  بمنشآت البنط على الجانب الغربي من شارع الملك  عبد العزيز والتي هدمت بعد افتتاح ميناء جدة الإسلامي جنوب جدة ، ويعتبرونه من أحد أبواب السور.

وذكرت وثيقة محلية محفوظة في معهد الإدارة العامة : البنط وباب الصبة  في آن واحد: وكان بجوارهما مخفرًا للشرطة (2)،هذا النص المذكور في الوثيقة  تؤكد وجود بابي البنط  والصبة في جدة .

ومن الواضح تمامًا أن باب البنطر ليس هو نفس الباب الذي عرف بـ باب الصبة، وجملة المؤيدين لعكس ذلك ليس لديهم دليل واضح وصريح على إدعائهم ولم يطلعوا على الوثائق والمصادر التاريخية التي تؤكد بأن باب البنط  ليس هو باب الصبة .

تاريخ الباب : لم أعثر على نص يوثق تاريخ إنشاء باب البنط، ومن المرجح أنه بني كنوع من التنظيم للميناء في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري تقريبًا ، وأقدم ذكر لهذا الباب يرجع إلى عام 1242هـ، ذكره الشيخ إسماعيل جغمان الصنعاني عندما قدم إلى مكة المكرمة حاجًا، حيث قال :(( وفي الخامس والعشرين من شهر محرم سنة 1242هـ ركبنا البحر بعد صلاة العصر من باب البنط  في جدة في ساعية السيد عبد الله نمير (النمر) وهي ساعية عجيبة جديدة )) وبرأيي أنه ركب البحر من باب البنط  يعني ركب زورق أو قارب بعد دخوله للميناء من باب البنط الذي يفترض أنه مخصص لركوب القوارب،ولم يحدد مكانه، ولا شك أن للميناء عدة أبواب لتسهيل الخروج والدخول، ومن عادة أهل اليمن خاصة سكان السواحل إطلاق البنط على الميناء .

وذكرت إحدى المصادر بأن المحمل (كسوة الكعبة) كانت تأتي من مصرًا بحرًا إلى جدة ويتم استقبالها في الميناء وكان المحمل يدخل إلى جدة من باب البنط البحري الذي يمتاز بارتفاعه بحيث يمكن للمحمل الدخول إلى جدة والعبور وصولًا إلى باب المدينة ومن ثم التوجه إلى مكة المكرمة.

ثم عثرنا على ذكر آخر لباب البنط  في الخريطة التي وضعها المستشرق الايطالي نالينو في عام 1359هـ، وجعل موقع باب البنط  في موضع باب الصبة اعتباطًا ، لذلك تفرد نالينو بهذه المعلومة على الخريطة وهذا غير دقيق ولا يمكن اعتبار هذه المعلومة  مرجع يستند عليه كما توجد أدلة ونصوص قطعية وثابتة حول موقع باب الصبة فضلًا عن المصادر التاريخية والأقوال المتواترة من كبار أعيان جدة ومؤرخيها التي لم تخلط بين البابين إطلاقًا، وقد وردت نصوص صريحة عن باب الصبة وموقعه في كثير من المصادر التاريخية  منها: جريدة القبلة الأسبوعية  والحجة الشرعية لوقفية سبيل حميد الشيخ والمؤرخة في 10/3/1298هـ  والوثيقة المحفوظة  في معهد الإدارة العامة برقم (7,8) والمؤرخة  في4/2/1349هـ وأيضًا صحيفة أم القرى العدد 847 بتاريخ 16 صفر 1360هـ ، وكلها وثائق تاريخيَّة ورسمية تدحض المعلومة التي وردت في خريطة نالينو وترد على الادعاءات المزعومة بأن موقع باب البنط  كان يقع بين عمارتي الأمير منصور بن عبد العزيز يرحمه الله قبل هدم سور جدة عام 1367هـ، والله أعلم .

بقلم / قاسم هاشم حسين علي ـ باحث ومؤرخ

عن قاسم علي

تعليق واحد

  1. Loving the information on this web site, you have done outstanding job
    on the content.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *