أحدث المواضيع
مجلة أبحر / عالم البحار / البحور عبر العصور / أسد البحار – خير الدين بربروس
Barbaros Hayrettin Pasha Monument

أسد البحار – خير الدين بربروس

عشقه للبحر جعل منه أسطورة.  

المُجاهد خير الدين بربروس شخصيَّة أسطورية بكل المقاييس، فقد تحولت حياته إلى نوع من الأسطورة التي تتجاوز الواقع لتحلق فيما ينسجه الذهن من صور متناقضة من البطولة أو الإرهاب بلغة هذه الأيام، إن مجرد ذكر اسم هذا المجاهد البطل حتى تمتزج الأسطورة الخارقة والخيال الجامح بالحقائق التاريخية فهو عند المسلمين مُحرر نصر المُستضعفين في العديد من الدول خاصة في سواحل شمال إفريقيا وجنوب أوروبا وهو بالنسبة للأوروبيين قرصان مارد تكبدوا على يديه خسائر فادحة في الأرواح والثروات. 

 له مذكرات أملاها البحار التركي خير الدين بن يعقوب باشا الشهير بلقب (بربروس خير الدين بربروس-أمير البحار)

 (اسمه الأصلي خضر بن يعقوب لقبه السلطان سليم الأول بخير الدين باشا، وعرف لدى الأوروبيين ببارباروسا أي ذو اللحية الحمراء) هو أحد أكبر قادة الأساطيل العثمانية وأحد رموز الجهاد البحري، تولى منصب حاكم إيالة الجزائر ثم عينه السلطان سليمان القانوني كقائد عام لجميع الأساطيل البحرية للخلافة العثمانية، وُلِدَ خير الدين بربروس في جزيرة لسبوس في اليونان، كان الأصغر في أربعة إخوة: إسحاق وعروج وإلياس ومحمد، والده هو يعقوب وهو انكشاري أو سباهي من فاردار، أمَّا والدته كاتالينا المسيحية فقيل: إنها كانت أرملة قسٍّ.

وقد كان خير الدين وأخوه عروج نصرانيان، ويعملان في القرصنة البحرية، ثم هداهما الله إلى الإسلام وكانا يعترضان السفن النصرانية ويأخذان ما فيها، ويبيعان رُكَّابها وملَّاحيها رقيقًا، وقد أرسلَا للسلطان العثماني سليم الأوَّل إحدى السفن التي أسروها فقبلها منهما، وأجزل لهما العطاء فقويت نفسيتهما، وعمل الإخوة الأربعة كبحَّارة ومقاتلين في البحر المتوسط ضدَّ قراصنة فرسان القديس يوحنا، المتمركزين في جزيرة رودس.

قُتِلَ إلياس في إحدى المعارك وأُسر عروج في رودس، الذي ما لبث أن فرَّ منها إلى إيطاليا ومنها إلى مصر، استطاع عروج أن يحصل على مقابلة مع السلطان قانصوه الغوري، الذي كان بصدد إعداد أسطول؛ لإرساله إلى الهند لقتال البرتغاليين، أعطى الغوري عروج سفينة بجندها واعتادها لتحرير جزر المتوسط من القراصنة الأوربيين.

طبقت شهرة عروج الآفاق عندما استطاع بين عامي 1504 و1510م إنقاذ الآلاف من مسلمي الأندلس، ونقلهم إلى شمال إفريقيا، وفي عام 1516م استطاع تحرير الجزائر ثم تِلِمْسَان من الإسبان، وأعلن نفسه حاكمًا على الجزائر، واستطاع عروج أن يُقيم حكومة قوية في الجزائر، وأعلن عروج طاعته وولاءه للدولة العثمانية، وقع عروج أسيرًا في أيدي الإسبان، وقتلوه في (شعبان 924هـ أغسطس 1518م)، وخلفه أخوه الأصغر خير الدين ولاية خير الدين بربروس على الجزائر

خلف خير الدين بربروس أخاه في جهاده ضدَّ الإسبان، ولم تكن قوَّاته تكفي لمواجهة خطر الإسبان، فاستنجد بالدولة العثمانية طالبًا العون منها والمدد؛ فلبَّى السلطان سليم الأول طلبه فأمده بالرجال والسلاح.

ولم يكن خير الدين أقلَّ حماسة وغَيْرة من أخيه، فواصل حركة الجهاد، وتابع عملياته البحرية حتى تمكَّن من طرد الإسبان من الجيوب التي أقاموها على ساحل الجزائر، ثم قام خير الدين بعملٍ من جلائل الأعمال؛ حيث أنقذ سبعين ألف مسلم أندلسي من قبضة الإسبان؛ الذين كانوا يسومُونهم سوء العذاب، فنقلهم بأسطولًا من 36 سفينة؛ وذلك في سبع رحلات، ووَطَّنهم في مدينة الجزائر؛ وهذا ما حصَّنها ضدَّ الهجمات الإسبانية.

قام السلطان سليمان القانوني باستدعاء خير الدين بربروس إليه في إسطنبول، وعهد إليه بإعادة تنظيم الأسطول، والإشراف على بناء عددٍ من سفنه، ثم وكَّل إليه مهمَّة ضمِّ تونس إلى الدولة العثمانية، قبل أن يتمكَّن السلطان الإسباني شارل الخامس من الاستيلاء عليها.

غادر خير الدين العاصمة العثمانية على رأس ثمانين سفينة وثمانية آلاف جندي، واتَّجه إلى تونس، ونجح في القضاء على الدولة الحفصية التي كانت تحكم تونس، وأعلن تبعيَّتها للدولة العثمانية، أراد السلطان سليمان القانوني مكافأة خير الدين على جهوده وخدماته للإسلام، فعيَّنه قائدًا عامًّا للأسطول العثماني، وجعل ابنه حسن باشا واليًّا على الجزائر، الذي واصل جهود أبيه في مهاجمة الإسبانيين في غرب البحر المتوسط.

وقاد خير الدين بربروس عدَّة حملات بحرية مُوَفَّقة، كان من أشهرها انتصاره العظيم في معركة بروزة بالبحر المتوسط؛ فقد كانت معركة هائلة تداعت لها أوروبا استجابة لنداء البابا في روما، فتكوَّن تحالف صليبي من 600 سفينة، تحمل نحو ستين ألف جندي، ويقوده قائد بحري من أعظم قادة البحر في أوربا هو (أندريا دوريا)، وتألَّفت القوات العثمانية من 122 سفينة، تحمل اثنين وعشرين ألف جندي، والتقى الأسطولان في بروزة في 4 من جمَاد الأولى 945 هـ= 28 من سبتمبر 1538م، وفاجأ خير الدين خصمه قبل أن يأخذ أهبته للقتال، فتفرَّقت سفنه من هول الصدمة، وهرب القائد الأوربي من ميدان المعركة؛ التي لم تستمرّ أكثر من خمس ساعات، تمكَّن في نهايتها خير الدين بربروس من حسم المعركة لصالحه.

كانت هذه الحملة المظفَّرة هي آخر حملة يقودها خير الدين بربروس، فلم تطُلْ به الحياة بعد عودته إلى إسطنبول؛ حيث توفِّيَ في 5 من جمَاد الأولى 953هـ 4 من يوليو 1546م عن 65 عامًا في قصره المطلِّ على مضيق البوسفور بالآستانة، مسطِّرًا صفحة مجيدة من صفحات التضحية والفداء والإخلاص للإسلام، وردع القوى الصليبية الباغية.

عن مجلة أبحر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *