أحدث المواضيع
مجلة أبحر / المراسي البحرية / مراحل تطور السوق البحري السعودي

مراحل تطور السوق البحري السعودي

كان اهتمام السعوديون و أقصد هنا أهل الحجاز ( الحجازيون ) في بداياتهم منصب على الإتجار في البر  مستفيدين من موقعهم الجغرافي المميز و مجاورتهم لبيت الله الحرام بمكة المكرمة و المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة و هو الاهتمام بالحج و الحجيج و كان التنافس على هذا العمل شرف كبير قبل و بعد الإسلام فهي تجارة ذات بعد معنوي مهم بالإضافة إلى أنها تجارة رابحة و آمنة تدر أرباحا طائلة و بسهولة و هذا كان أفضل لهم من الإتجار بالأعمال البحرية التي سوف تجعلهم يصطدمون بالأمواج و شدة الرياح و تقلبات البحر و الطقس من خلال ممارسة الأعمال البحرية المليئة بالمخاطر آنذاك حيث ندرة وسائل الاتصال الحديثة و قلة وسائل الأمن و السلامة البحرية .

و أما عن الساحل الشرقي فكان سكانه يمتلكون الثقافة البحرية أسوة بجيرانهم من دول الخليج غير أن الطابع العام  و السواد الأعظم لم يهتموا بالبحر لوجود شركة البترول ( التاب لاين ) و التي اجتذبت معظم أهل المنطقة للعمل بها بمرتبات و حوافز مغرية فلم يلتفتوا بطبيعة الحال للبحر و بذلك لم يساهم البحر بأي تغيير في العادات الاجتماعية و الثقافية و الشخصية السعودية فوجبة السمك عموما أو أم الربيان أو الجمبري لم تكن في ذلك الوقت وجبة ذات قيمة يستطيع السعودي أن يقدمها لأي ضيف و لا يعتد هذا النوع من الطعام حسب وجهة النظر السائدة آنذاك من قبيل إكرام الضيف

 

بداية التغيير : 

في أواخر السبعينات ظهر البترول و أدى ذلك إلى التغيير من حالة الفقر إلى حالة الثراء و الرخاء , فخرج السعوديون للعالم الخارجي  و أدى ذلك إلى ظهور ناقلات النفط و إبرام الصفقات التجارية بين رجال الأعمال السعوديون و نظرائهم بالخارج مما أدى إلى الاطلاع على كل ما هو جديد و الاحتكاك بثقافات متنوعة و ظهور متغيرات جديدة على الساحة و منها ظهور السيارات و المراكب و اليخوت و لكن ذلك التغيير كان فقط مقتصر على شريحة قليلة و بشكل غير مدروس أو مخطط بل ناتج عن تأثير قوة السيولة المالية فقط .

و بالتالي لم يساهم في انتشار الثقافة البحرية في حينه بالشكل الذي يخلق المناخ المناسب لتكوين قطاع و نشاط بحري مستقر بأدواته المتنوعة سواء من حيث المختصين الذين يقدمون النصح و الإرشاد و الدراسات البحرية أو من حيث الصيانة و قطع الغيار و خلافه مما جعل هذه الطفرة الغير مدروسة لا تستمر سوى لسنوات قليلة و أصيب الرواد في هذا النشاط بخيبة أمل كبيرة من هذه التجربة غير الممتعة لهم فهجر أغلبهم ممارسة هذه الألعاب الرياضية و التنزه باليخوت واتجه بعضهم إلى الخارج هربا من ذلك .

عصر التطور : 

في أواخر الثمانينات انقلب الحال عند السعوديين مع زيادة ثرائهم و أصبح السفر عند الكثير منهم عادة سنوية و زادت الاستثمارات السعودية بالخارج  و أبرم العديد من رجال الأعمال السعوديين الكثير من العقود و الصفقات التجارية على متن اليخوت السياحية الفارهة و بالتالي امتلك العديد منهم أفخم و أرقى اليخوت بالعالم و التي صممت للبعض منهم خصيصا و قاموا بإرسالها بأرقى المرافئ و المنتجعات السياحية بالعالم .

و كتطور طبيعي للأمور أن اتجهت نظرة البعض منهم في العشرين سنة الأخيرة إلى التمتع بهذا الترف داخليا من خلال ممارسة الألعاب الرياضية البحرية و امتلاك اليخوت و التنزه بها داخل خور بحري و البعض بالساحل الشرقي من خلال المنتجعات السياحية العصرية و التي شيدت على الساحل الغربي و الساحل الشرقي و حيث أن التجربة كانت وليدة في هذه الحقبة و لم تكن هناك حالات محلية سابقة يقاس عليها تنظيم و وضع التشريعات المناسبة لإصدار التراخيص و تنظيم عمل المراسي و أنظمة و لوائح الأمن و السلامة من جهاز حرس الحدود لضمان التنظيم المناسب و المناخ الملائم لهذا النوع من النشاط بما يساعد على ازدهاره و يحفظ الأمن و الأمان في الوقت نفسه .

و للحق فقد بذل جهاز حرس الحدود جهودا كبيرة بشأن تطوير اللوائح و الأنظمة المعمول بها و هي في الوقت الحالي أفضل و أكثر مرونة من أنظمة الدول المجاورة و ذلك لعدم وجود عداوات للمملكة من جيرانها بفضل الله من ناحية و لفكر المسئولين من ناحية أخرى إلا أن ممارسة هذه الأنشطة بواسطة شريحة محدودة فقط من المواطنين جعلها تبدو ظاهريا أصعب ما يكون مع أنها و من خلال تجربتي لأكثر من خمس و عشرين سنة أنظمة مرنة و مريحة وضعت برؤية سعودية و صبغة عالمية تضع مصلحة المواطن في الدرجة الأهم و لكن الثقافة البحرية السائدة لم تمكن المواطن من التعامل السلس المتفهم للغرض الذي وضعت من أجله

و قامت منطقة أبحر الموجودة بجدة على البحر الأحمر و الممثلة في خور طبيعي اكتشف منذ أكثر من ( 800 ) سنة بقيادة التغيير في المجتمع السعودي نحو الحياة و الترف البحري و خرجت ثقافة بحرية عالمية بمواصفات سعودية ساهمت بتوجيه رجال الأعمال و الشباب و العوائل و كل أطياف المجتمع للتعلم و التأثر بهذه الثقافة و أصبح عدد ممارسي الرياضيات البحرية من السعوديين العدد الأكبر و الأكثر تمرسا و احترافية على مستوى منطقة الخليج بدءا من الجيل الصاعد الذي عرف أن رقي المجتمعات و نهضة المدن تأتي من خلال الواجهات البحرية و الاستثمار بها فبدأت المشاريع العملاقة التي لا يوجد لها شبيه في الخليج و ظهر منها القليل الآن و الباقي في المستقبل القريب إن شاء الله .

إن المتأمل في السوق البحري السعودي و يرى السرعة الفائقة التي سار بها هذه السوق الواعد و كثرة التجارب الناجحة التي مرت به بعد الفشل الذي مر به سابقا , ليتعجب كل العجب و إنني لمتفائل كل التفاؤل لهذا السوق الضخم ذي الفرص الاستثمارية الكبيرة و الذي سوف يسطع نوره في السنوات القليلة المقبلة و إنني لعلي يقين بأنه سوف يكون الأكبر و الأضخم في المستقبل و بقفزات و معدلات لم يسبق لها مثيل مستفيدا من ثبات و قوة و متانة الاقتصاد السعودي الناتج عن السياسات الحكيمة لحكومتنا الرشيدة و ربانها مليكنا المفدى .

 

المصدر :

مجلة عالم اليخوت (العدد : 118)

عن الكابتن / طلال بن منسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *