أحدث المواضيع

الريِّس حميدو

في تاريخ القصص والمغامرات البحريَّة نجدها أقرب للخيال، فهذا بسبب أنَّ أبطال هذه القصص يتمتعون بالشجاعة والقوة كالريِّس حميدو الذي كان معجبًا بالقصص والحكايات التي يسمعها من أبيه عن رياس البحر وذات يوم قال لأبيه:” سأصبح رئيسًا للبحر عندما أكبر كان شغف وحلم منذ الطفولة.

حميدو بن علي، مُنذُ صغره وهو عاشق للبحر، وتوجه إليه وكان بحَّارًا إلى أن ترقى إلى ضابط بحري ثمَّ إلى أمير للبحر، وأطلق الأوربيين على البحارة الجزائريون قراصنة البحر، ولكن في حقيقة الأمر هم ليس كذلك، فلقد اضطروا بعد سقوط دولة الأمويين الأندلس في إسبانيا للجهاد من أجل حماية شواطئهم ومدنهم وحجاجهم وتجارهم من القرصنة الأوروبية، وبمرور الوقت تحولت لحرفة بكل قوانينها و شروطها، وقد كان تسلط السفن الإسبانية والبرتغالية وحصارهم لشواطئ الجزائر هو الذي دفع بالأهالي إلى أن يطلبوا العون من الباب العالي في تركيا عام 1515م، وجاء الأسطول العثماني إلى الجزائر منقذًا، ولم يرد الأساطيل المسيحية فقط، ولكنه حاصر الشواطئ الإيطالية والبرتغالية، وفي عام 1529م كان خير الدين بربروس، أو ذو اللحية الحمراء أميرًا للبحار في الجزائر يفرض سيطرته على مدخل البحر الأبيض، ووصل عدد البحارة في عهده إلى قرابة 13000 فرد تقريبًا ومن أشهر السفن الحربية الجزائرية وقتها (رعب البحار) و (مفتاح الجهاد) و (المحروسة) وغيرها، فتمكن هذا الأسطول من الوصول بعملياته إلى اسكتلندا والمحيط الأطلسي. 

إلى أن تسيد الريِّس حميدو على إمارة البحرية الجزائرية في بداية القرن التاسع عشر يتوافق مع قيام الثورة الفرنسية ومجيء نابليون للحكم، وقد استطاع أن يستولي على واحدة من أكبر سفن الأسطول البرتغالي وأطلق عليها (البرتغالية)، في زمن قيادته للبحرية الجزائرية فرض الرايس حميدو ضريبة على الولايات المتحدة. فبعد أن نالت أميركا استقلالها عن بريطانيا بدأت السفن الأميركية ترفع أعلامها لأول مرة اعتبارا من سنة 1783م، وأخذت تجوب البحار والمحيطات.
وقد تعرض البحارة الجزائريون لسفن الولايات المتحدة، فاستولوا في يوليو 1785م على إحدى سفنها في مياه ( قادش ) ، بعد ذلك استولوا على إحدى عشرة سفينة أخرى تابعة للولايات المتحدة الأميركية وساقوها إلى السواحل الجزائرية . 
– نظرا ولحداثة استقلال الولايات المتحدة ولعدم امتلاكها قوة بحرية رادعة ، فقد كانت عاجزة عن استرداد سفنها بالقوة العسكرية ، لذا فقد اضطرت إلى الصلح وتوقيع معاهدة مع الجزائر في 5 سبتمبر 1795م ، تدفع بموجبها واشنطن مبلغ ( 62 ألف دولار ذهبا ) للجزائر لقاء حرية المرور والحماية لسفنها في البحر المتوسط ، وتضمنت هذه المعاهدة 22 مادة مكتوبة باللغة التركية . 
– تعد هذه الوثيقة من الوثائق النادرة والفريدة، فهي تعد المعاهدة الوحيدة التي كتبت بلغة غير الإنكليزية التي وقعت عليها الولايات المتحدة الأميركية منذ تأسيسها حتى اليوم، وفي الوقت نفسه تعد هي المعاهدة الوحيدة التي تعهدت فيها الولايات المتحدة بدفع ضريبة سنوية لدولة أجنبية، وبمقتضاها استردت الولايات المتحدة أسراها، وضمنت عدم تعرض البحارة الجزائريين لسفنها. 

ثم أضاف إليها سفينة أمريكية هي (الميريكانا) إضافةً إلى سفينته الخاصة كان أسطوله الخاص يتكون من هذه السفن الثلاث ومن 44 مدفعًا فرضت سيادتها على البحر لأكثر من ربع قرن، فقد تصادف صعود نجمه مع الفوضى التي سادت في أعقاب الثورة الفرنسية في 1776م كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد وقعت على مُعاهدة مع الجزائر تدفع بموجبها أتاوة مقابل حماية وسلامة سفنها، وعندما جاء الرئيس جيفرسون إلى الحكم رفض الدفع، فأعلنت الجزائر الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية بدعم من عاصمة الإمبراطورية العثمانية الإسلاميَّة في تركيا، وأصبحت السفن الأمريكية بمنزلة غنيمة ثمينة للبحَّارة الجزائريين، وعندما جاء الرئيس جيفرسون إلى الحكم رفض دفع الضريبة المقررة ، لذا فقد قامت البحرية الجزائرية بالرد والاستيلاء على السفن الأميركية العابرة للبحر المتوسط . 
– على إثر ذلك أرسلت الولايات المتحدة الأميركية قطعة بحرية إلى البحر المتوسط لأجل الانتقام للهجمات التي تعرضت لها سفنها في سنة 1812م، وكانت هذه القطعة بقيادة  (كومودور دوكاتور ) ، وكان من المهام المُكلف بها هذا القائد إجبار الجزائريين على تقديم اعتذار للولايات المتحدة، واسترجاع الأسرى الأميركيين وإنهاء دفع الضريبة المفروضة على السفن الأميركية في البحر المُتوسط والسماح لها بحقوق الزيارة، وصدفةً التقى الريِّس حميدو هذه السفن بالقرب من الشواطئ الإسبانية، فنشبت معركة كُبرى ولكن غير مُتكافئة، حيثُ كان الريِّس حميدو يقود سفينة حربيَّة واحدة فقط مُقابل تسعة سفن حربية أمريكيَّة، وعند بداية المعركة فإن الحظ لم يبتسم للريِّس حميدو فأصابت قذيفة مدفع قوية سفينته “مفتاح الجهاد” استشهد على إثرها، يُقال أنه قبل استشهاده طلب من بحارته رميه في البحر في حال استشهاده، وفي يوم 17 جوان سنة 1815م انتهت أسطورة بحريَّة كُبرى، فقد دافع عن شواطئ بلاده حتى آخر لحظة بحياته، وأَمَّ حاكم البلاد حينها الداي (عمر باشا) شخصيًّا صلاة الغائب التي أدَّاها الجزائريون على روح بطلهم الريِّس حميدو، وأعلن الحداد في كل أنحاء الجزائر لمدة ثلاثة أيام.

وتخليدًا لذكرى أمير البحَّار الإسلاميَّة الريس حميدو:

 في قلب العاصمة الجزائريَّة، وتحديدًا في ساحة الشهداء ينتصب تمثال شامخ لواحد من أشهر ربابنة البحر الجزائريين إنه الريس حميدو بن علي ، أحد أمهر رؤساء البحر الجزائريين ، الذي فرض السيطرة الجزائريَّة على البحر المتوسط، وأرغم الدول الأوروبيَّة على دفع إتاوات وضرائب لضمان حق المرور في البحر المتوسط . 
–  ورغم أن الريِّس حميدو مشهور في التاريخ الجزائري ، وهناك ضاحية في غرب العاصمة الجزائرية تحمل اسمه ، إلَّا أن الكثيرين في العالم العربي يجهلون سيرة هذا الربان الجزائري الشجاع . 
–  وتقديرًا لهذا المُجاهد الكبير قام السلاح البحري الجزائري بإطلاق اسمه على إحدى الفرقاطات البحريَّة الهامة.

 

عن مجلة أبحر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *