أحدث المواضيع
مجلة أبحر / البيئة البحرية / رحلة لمشاهدة طيور الوطن البحرية (الجزء الأول)

رحلة لمشاهدة طيور الوطن البحرية (الجزء الأول)

مع دخول فصل الشتاء بدأت وتيرة الهجرة للطيور العابرة بالتناقص، وتزيد حركة الطيور الزائرة لبلادنا الحبيبة لتقضي فترة الشتاء في هذه الأرض الطيبة، لكن هناك طيورًا أخرى تغادرنا بعد أن أنهت موسمًا حافلًا خلال تكاثرها في فترة الصيف، ورعاية صغارها مع أوَّل أشهر الخريف، لتبدأ مرحلة أخرى في حياتها تقضيها متنقلة عبر البحار والمحيطات باحثةً عن الدفء والغذاء لمدة تزيد عن ستة إلى سبعة أشهر قبل أن تعود إلى بحر الوطن، لتبدأ في التعشيش ولتنتج أجيالًا تعلمهم عن هذه الهجرة وما علَّمهم الله لتحقيق ما أمرهم الله به، وتشعرك وأنت تُشاهدها في موسم التكاثر بفرحة العودة لأرض الوطن، فهي تعود إلى ذات المكان التي خرجت فيها لهذه الحياة، وعليه فهي طيورنا، لقد أشعرتني هذه الطيور بروعة وجمال هذا الوطن وما يحمله من مخزون طبيعي يُمكن أن يعطي دروسًا وتجارب لأبنائه تزيد في عشقهم لترابه وسماه وما على أرضه وبحره، وقد رغبت أن أبحر بكم للتعرف على هذه النوعية من الطيور، ولنتعرف معًا على ما لدينا من جمال فطري في بلادنا الغالية، ومُشاهدة بعض أنواع الطيور البحرية المُعششة في بحر الوطن.

محطتنا كانت الجزر البحرية بالشمال الغربي من البحر الأحمر، الوقت هو شهر يوليو من عام 2011م والمعروف بارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، وقد كنت بصحبة د. عبد الهادي العوفي من جامعة تبوك وأربعة من طلاب البكالوريوس والدراسات العليا بجامعة تبوك والطائف والملك سعود، وكانت مدينة الوجه هي محطتنا الأولى لزيارة الجزر، وهي مدينة ساحلية مُطلة على البحر الأحمر، تقع في الجزء الشمالي الغربي من مملكتنا الحبيبة، وتتبع إداريًّا منطقة تبوك، وتبعد حوالي 325كم جنوب مدينة تبوك، والوجه من الموانئ القديمة على البحر الأحمر، ويشير المؤرِّخون إلى أنّ أوَّل ميناء بها كان خلال العصر الفرعوني عُرف في ذلك الوقت بميناء إرجا، وفي أوائل القرن الماضي استخدمت البحرية العثمانية الوجه كقاعدة لسفنها، والوجه من أوائل المدن بالمملكة التي بدأ فيها التعليم الحديث، حيثُ عُرفت أوَّل مدرسة مع بداية القرن الماضي (1914م) سمِّيت بمدرسة الوجه الخيرية، ويعشق أهل الوجه البحر ويخرج أكثرهم لصيد السمك لكسب الرزق وللمتعة، فمنهم الموظف والتاجر يجمعهم عشقهم للبحر توارثوه جيلًا بعد جيل.

والطيور البحرية هي تلك الطيور التي ترتبط بالبيئة البحرية في معظم شئون حياتها، حتى أنَّ بعض علماء الطيور يطلقون عليها الطيور البحرية الحقيقيَّة، ويزيدون على ذلك أنها تلعب دورًا مهمًّا في النظام البيئي البحري حيث وضعها العلماء على قائمة الهرم الغذائي في البيئات البحرية، فهي تتغذَّى على الأسماك الصغيرة والقشريات، وهذه الأخيرة تتغذى على الكائنات الأصغر منها من قشريات وكائنات دقيقة كالبلانكتون والطحالب ونباتات بحرية، مِمَّا يجعلها في أعلى الهرم الغذائي، وعليه فقد استخدمت كأداة أو كمؤشر حيوي لمعرفة التغيرات في البيئات البحرية، ويؤكد ذلك نتائج دراسة لباحثين كنديين حيث تمكنوا من متابعة التغيرات في المعادن الثقيلة بمنطقة ألاسكا لمدة 150 سنة وذلك عن طريق تحليل بعض أجزاء من بقايا الطيور البحرية الموجودة بالمتاحف.

وتوجد بالبحر الأحمر أنواع من الطيور البحرية المتوطنة (Endemic) وهي أنواع محصورة في مناطق وبيئات معينة ضمن نطاق جغرافي محدد ولا توجد في مناطق أخرى من العالم إلا في هذه المنطقة، ومن هذه الأنواع المتوطنة: (النورس أبيض العين) والذي يتواجد ويعشش فقط بالبحر الأحمر وخليج عدن، كذلك (الغاق السقطري) والذي يعشش فقط بالخليج العربي وخليج عدن، بالإضافة إلى هذين النوعين فهناك سلالات لأنواع أخرى تعتبر متوطنة للمنطقة منها سلالة الطائر الاستوائي أحمر المنقار وسلالة الأطيش البني، وهناك أيضًا سلالات متوطنة لمنطقة شمال غرب المحيط الهندي، والتي تُشكل منطقة البحر الأحمر، وخليج عدن الجزء الأكبر لتواجد هذه الطيور ومنها النورس الأسحم والخرشنة المتوجة الكبيرة، ولا يقتصر أهمية المنطقة للطيور البحرية على هذا فحسب، ولكن هُناك أنواع بالرغم من انتشارها في مناطق أخرى من العالم إلَّا أَّن أعدادها بالبحر الأحمر والخليج العربي عالي جدًّا مقارنة بالمناطق الأخرى، ومن هذه الأنواع الخرشنة بيضاء الخد والخرشنة المتوجة، وقد وضع الاتحاد العالمي لصون الطبيعة (IUCN) عدد من هذه الأنواع ضمن قائمة الطيور المُهدَّدة بالانقراض أو القريبة من مرحلة التهديد بالانقراض على المستوى العالمي (كخرشنة ساندرس الصغيرة) و(الغاق السقطري) و(النورس أبيض العين)، ويرجع تكاثر هذه الطيور في فترة الصيف إلى وفرة الغذاء في هذه الفترة حيثُ تُشير عدد من دراسات الطيور أنَّ معظم الطيور تتناسل في الوقت الذي يتوفر فيه الغذاء، وعليه فإن الله  عزَّ وجلَّ جعل لهذه الطيور فسيولوجيَّة وعلَّمها سلوكيات تُساعدها في تخفيف درجات الحرارة العالية، وتختلف الطيور البحرية عن طيور اليابسة في شكلها وخصائص دورة حياتها فهي تعشش بمُستعمرات بأعداد كبيرة، وتستخدم نفس الموقع للتعشيش لسنوات عديدة، فهي تتميز بطول أعمار أنواعها وقلة إنتاجها، فأعمارها تصل بين 12-60 سنة، وفترة النضوج الجنسي عندها أكبر من رتب أخرى من الطيور، حيث تبدأ التزاوج وعمرها أكثر ثلاث سنوات، وعدد البيض في معظمها لا يزيد عن 1-2 بيضة، وتصل أعمارها إلى من 20-60 سنة تقريبًا.

وقد ارتبطت الطيور البحرية بسكان المدن الساحلية والجزر حول العالم، فقد عُرفت بأنَّها ترشد صيادي الأسماك بمواقع صيد الأسماك الجيِّدة، ففي الخليج العربي عُرف الغاق السقطري بأنه يرشد الصيادين لمناطق الصيد الجيِّدة، فهي تقوم بالصيد الجماعي مِمَّا يُمكِّن الصيادين من مشاهدتها من مسافات بعيدة خلال غطسها بالماء وخروجها منه، كذلك هناك طيور الخرشنة والتي أشار عدد من صيادي الأسماك بالبحر الأحمر أنها كانت تدلهم على مواقع صيد الأسماك، فالطيور البحرية تقوم بمتابعة مجموعات الأسماك الصغيرة والتي يصعب على الصيادين التنبؤ بأماكن تواجدها، وهذه المجموعات من الأسماك الصغيرة يتبعها أيضًا أسماك كبيرة، لذا فإن اكتشاف هذه الطيور لهذه التجمعات للأسماك يدل الصيادين على مواقع الصيد الجيِّدة، ليس هذا فحسب فقد وفرت الطيور البحرية مصدرًا من مصادر البروتين خلال مواسم معينة من العام حيثُ عرف تغذي السكان المحلين على بيض وصغار الطيور البحرية، كما أن مخلفات الطيور البحرية استخدمها الإنسان بجنوب البحر الأحمر كسماد للزراعة يعرف “الجوانو”، وقد عرف استخدام هذه المادة بشكلٍ أكبر في خليج عدن، وبالتحديد على الجزر الصومالية كجزيرة سعد الدين وجزيرة مايت، ولكن للأسف ففي الآونة الأخيرة ومع استخدام القوارب ذات المحركات القويَّة وتوفر الأسمدة الصناعية الزهيدة الثمن زاد من استنزاف الصيادين لبيض الطيور فبدلًا من أن تكون جزء من التعايش ضمن تقاليد متوارثة تقودها الحاجة تحت شعار الاستخدام الأمثل لهذا المصدر أصبحت مباهاة وإبادة فأصبح سكان بعض الجزر والسواحل يتنقلون بين الجزر بأوقات قياسية ويعملون على جمع أكبر كمية من البيض، وهذا بالطبع أدَّى إلى تأثر الطيور البحرية ليس على مستوى المحلي ولكن أيضًا على المستوى العالمي.

وبعد هذه الرحلة التي حلقنا بها في سماء البحر لم تنتهي سلسة الطيور البحرية فما زال هُناك العديد منها سنتكلم عنها في الأعداد القادمة بإذن الله.

عن د/ محمد شبراق

عميد شئون المكتبات بجامعة الطائف مستشار غير متفرغ بالهيئة السعودية للحياة الفطرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *